عبد الرحمن جامي

103

لوائح الحق ولوامع العشق

بخارا وإذا تراكم هذا البخار وصار طبقة فوق طبقة تحول سحابا وأصبح هذا السحاب بسبب التقطر مطرا ، ثم صار هذا المطر بعد تجمعه وقبل بلوغه البحر سيلا ثم غدا السيل بعد وصوله البحر بحرا ، إذن فالبحر في الحقيقة ليس هنا إلا شيئا واحدا وهو الماء المطلق الذي يسمى بهذه الأسماء بحسب الاعتبارات وعلى نفس هذا القياس ليست حقيقة الحق - سبحانه وتعالى - غير الوجود المطلق ، الذي بسبب تقيده بالمقيدات يسمى بأسمائها بحيث يسمى أولا بالعقل ، ثم بالنفس ، ثم بالفلك ، ثم بالأجرام ، ثم بالطبائع ، ثم بالمواليد إلى غير ذلك ، وليس في الحقيقة غير الوجود والمطلق الذي تسمى بهذه الأسماء بحسب اعتبارات تنزله من حضرة الأحدية إلى الواحدية ومن حضرة الواحدية إلى حضرة الربوبية ومنها إلى حضرة الكونية ، ومنها إلى حضرة الجامعة الإنسانية وهي آخر الحضرات الكلية ، إذن فإن ينظر الجاهل إلى صورة الموج والحباب والبخار والسحاب والسيل وقال إن هذا هو البحر ، ولم يعلم أن البحر ليس إلا الماء المطلق الذي ظهر بصور هذه المقيدات وأجلى نفسه في هذه المظاهر المختلفة ، فمثله من ينظر إلى مراتب العقول والنفوس والأفلاك والأجرام والطبائع والمواليد ويقول إن هذه هي الحق ، ولم يعلم أنها جميعا مظاهره ، وهو سبحانه لا يخرج عن هذه المظاهر وهي لا تخرج عنه ، أما العارف فحين ينظر يعلم ويرى أنه كما أن البحر اسم للحقيقة المطلقة للماء ، المحيط بجميع مظاهره وصوره من الموج والحباب وغيرهما ، وليس بين الماء المطلق وهذه المظاهر والصور مغايرة ومباينة بل يصدق على كل قطرة من القطرات وكل موجة من الأمواج أنها هي عين الماء من حيث الحقيقة وهي غيره من حيث التعين ، فكذلك اسم الحق